الإنسان كائن أخلاقي

50b1244104b49 الإنسان كائن أخلاقي
كائن ناطق أي أنه كائن عاقل مفكر، 
ويوصف في علم الاجتماع بأنه مدني بالطبع، 

كما يوصف لدى علماء التاريخ بأنه كائن ذو تاريخ،

بـمعنى أنه قادر على ملاحظة تاريخه وتسجيله، وتعريف الأجيال الجديدة به،

وهكذا تتعدد الصفات والتعريفات بتعدد الـمجالات والزوايا 

التي ننظر إلى الإنسان منها. 

2) ويـمكن لنا في مجال علم الأخلاق أن نصف الإنسان بأنه كائن ذو إرادة ومعنى

ذلك أنه مزود بالقدرة على الاختيار والمفاضلة بين الخير والشر،

والفضيلة والرذيلة، ثم إنه مهيأ بعد ذلك لتنفيذ ما يختاره بإرادة حرة 

يتميز بـها عما حوله من الكائنات ويكون بـها مسئولا عن أفعاله. 

3) ومعنى ذلك أنه لا يخضع خضوعًا مطلقًا في اختياره وسلوكه لغريزة قاهرة

أو طبيعة ثابتة، تلزمه بسلوك معين لا يحيد عنه،

بدليل أنه يستطيع أن يغير من هذا السلوك،

 

إذا بدا له من الأسباب ما يدعوه إلى ذلك، فينتقل من خير إلى شر،

أو من شر إلى خير، ويختلف سلوكه بين فعل وترك، ومنع وعطاء، 

وإقبال وإدبار، وإقدام وإحجام، 

ويوصف فعله في كل حالة بـما يناسبها، ما دام اختياره متحققًا،

وما دامت حريته مكفولة وعلى حسب اختياره تحدد مسئوليته الخلقية،

ويقع الجزاء المناسب،

قال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا

وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}
[الشمس: 8-10]،

وقال تعالى: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا }
[الإِنسان:3]. 

4) وما دام الإنسان على هذه الصفة: صفة الإرادة والاختيار،

فإنه صالح لأن يوصف بأنه كائن أخلاقي ذو إرادة قابلة لفعل الخير والشر

على حد سواء. 

5) ويتميز الإنسان بـهذه الصفة عن غيره من الكائنات الأخرى 

التي تجري أفعالها على نحو ثابت مخالف لما تجري عليه أفعال الإنسان

فقد تكون هذه الأفعال خيرًا لا شر فيه،

ولا نقص، وذلك كأفعال الملائكة الذين يوصفون في القرآن الكريم بأوصاف منها

قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ 

لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}

[الأنبياء:28].

وقد تكون هذه الأفعال شرًّا خالصًا لا خير فيه،

كما في وصف الشيطان، فهو يزين للناس الشر، والكفر والمعصية،

وهو ينهاهم عن الخير 
ويأمرهم بالفحشاء، ويصرفهم عن الخير والبر والطاعة والإحسان، 

وتتحدث الآيات القرآنية عن إصراره على الشرِّ
والإغواء والتضليل

ومن هذه الآيات

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ 

وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}

[الأعراف: 16- 17].

وقد تكون هذه الأفعال ناشئة عن غريزة كأفعال الحيوان،

التي لا تصدر عن فكر ولا إرادة، لأن الحيوان ليس مزودًا بـهما، 

وإنـما تصدر عن غريزة طبيعية ينعدم فيها الاختيار، أو يقل إلى درجة 

تجعله أشبه بالعدم، ولذلك لا تخضع أفعاله لـموازين الأخلاق

ولا توصف بوصف من أوصافها،

ولذلك تنتفي عنه الـمسئولية الأخلاقية والجزائية، 
لانتفاء شرطهما في حقه، 

وهذا النوع من التصرف خارج عن مجال علم الأخلاق،

الذي يحصر نفسه في نطاق السلوك الإنساني. 

6) وإذا كان الإنسان يتميز بـهذا الجانب الإرادي الـمحتمل للخير والشر 

عمَّا سواه من الكائنات فإنه ينبغي التنبيه
إلى أنه لا يدخل في نطاق الحكم الأخلاقي

إلا الجانب الإرادي من أفعاله، فأما ما تنعدم فيه الإرادة 

فإنه يخرج عن دائرة المسئولية الأخلاقية. 

7) ومن أمثلة ذلك ما يقع من أفعال الجسد بطريقة غير إرادية

كحركة القلب والكبد والأمعاء والعطس والتثاؤب ونحوها،

وما يقع من الطفل الذي لم تنضج قواه العقلية،

ومن الـمجنون الذي يفقد توازنه العقلي لأمر لا دخل له فيه،

وينطبق الأمر نفسه على الـمكره إكراهًا تامًّا 

بحيث لا يكون له إرادة ولا اختيار،

فأفعال هؤلاء خارجة عن نطاق المسئولية الأخلاقية

بسبب غيبة شروط اكتمال الإرادة لديهم،

فإذا تحقق لـهؤلاء قدر أو نصيب من الإرادة فإنه يلزمهم من المسئولية

بـمقدار هذا النصيب، فالذي يسكر عمدًا يُعدُّ مسئولا عن أفعاله،

لأنه هو الذي تسبب في غيبة عقله بإرادته، 

والـمكره الذي لا يكون إكراهه إكراهًا تامًّا مطلقًا

بأن يكون له شيء من الاختيار في فعل بعض الأشياء دون بعض 

لا يكون كالـمكره الذي تنعدم لديه كل مظاهر الإرادة والاختيار، 

وللفقهاء المسلمين وأساتذة القانون دراسات جديرة بالاعتبار في هذا الشأن. 

cool الإنسان كائن أخلاقي وقد تعرض هذا الإنسان الذي وهبه الله تعالى هذه الإرادة 

القابلةللخير والشر للامتحان والابتلاء منذ بداية خلقه،

ويعني ذلك أنه قد تعرض لتجربة أخلاقية، امتحنت فيها إرادته وعزيـمته،

وذلك عندما أسكن الله تعالى آدم الجنة،

وأخذ عليه العهد والميثاق بالطاعة والإنابة والمخالفة لإبليس

الذي أبى أن يسجد لآدم عندما أمره الله بذلك، 

قال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا *

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى *

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ 
فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى *

إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * 

وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى *

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ

قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى *

فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا 

مِن وَرَقِ الجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى *

ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى *

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي

هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى *

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا

وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى}

[طه: 115- 124]. 

9) ويعني ذلك أنه معرض للابتلاء بالخير والشر امتحانًا لإرادته،

واختبارًا لعزيـمته،
وهذا الامتحان والابتلاء هو جوهر التكليف،

وأساس المسئولية الأخلاقية بما تقوم عليه من إرادة واختيار، 

ولم يكن التعرض للاختبار الأخلاقي مقصورًا على آدم وحواء

كما رأينا في الآيات السابقة،

بل إنه اختبار دائم لذريتهما من بعدهما 

{الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ}

[الملك:2].

10) وعلى الرغم من وقوع المعصية من آدم وأبنائه

فإنه يـمكن القول بأن الطبيعة الإنسانية المؤهلة لفعل الخير والشر

هي أقرب إلى الخير منها إلى الشر، 

وتوصف هذه النظرة- عند الفلاسفة والمفكرين- بأنـها نظرة تفاؤلية،

وهي نظرة تتفق مع الآيات القرآنية
التي تصف الإنسان بأنه مخلوق 

في أحسن تقويم 

{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}

[التين:4].

كما تتفق مع السنة النبوية الشريفة،
والتي أكَّدت على أن الإنسان 

يولد على الفطرة،
وهي فطرة تتصف بالكمال والبراءة من الآفات والعيوب،

ولذلك تتجه إلى خالقها بالعبادة محققة أسـمى درجات الكمال 
الديني 

والأخلاقي التي يطالب الله بـها عباده،

فيقول صلى الله عليه وسلم:

«ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة

فأبواه يهودانه أو ينصرانه

أو يـمجسانه 
كما تنتج البهيمة بـهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء » 

[أخرجه البخاري 1293، ومسلم 2658 عن أبي هريرة]. 

11) ويـمكن تشبيه النفس في أصل خلقتها بأنـها كالبذرة الصالحة

التي أودع الله فيها مقومات النماء والإثـمار

فهي مهيأة في أصل وجودها لذلك

ولكن هذا النماء والإثـمار

مشروط بتحقيق الظروف والشروط الملائمة له، 

فإذا تيسرت خرج إلى الوجود ما كان كامنًا في باطنها،

والنفس على هذا مهيأة للخير،

وصالحة لفعله، ومزودة بالإرادة لتحقيقه،

لكن ما قد يعترضها من ظروف في البيئة

أو في الـمجتمع قد ينحرف بـها عن الصلاح،

وعندئذٍ لا تحس سكينة ولا أمنًا،

لأن انحرافها عن الخير والإيـمان مخالفًا لطبيعتها، ومضاد لفطرتـها. 

12) ولا يعني هذا أن الأخلاق تحصل للنفس بطريقة آلية، 

بل إنـها محتاجة في تحصليها واستقرارها في النفس إلى صبر ومجاهدة. 

الموضوع تم نقله من: http://www.forum.topmaxtech.net/t25479.html#ixzz57rsjc22L

الرابط المختصر : http://review.topmaxtech.net/?p=66925

  • تمت قراءته 376 مرة
  • هندسة العقل

  • أخر تعديل :
تفاصيل المقالة